الذهبي

861

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وقال الفقيه محمد بْن حمادة السَّبْتيّ ، رفيق القاضي عياض : جَلَس للمناظرة وله نحوٌ من ثمانٍ وعشرين سنة ، وولي القضاء وله خمسٌ وثلاثون سنة ، فسار بأحسن سيرة ، كَانَ هيِّنًا من غير ضَعْف ، صَليبًا في الحقّ ، تفقّه عَلَى أَبِي عبد الله التّميميّ ، وصحِب أبا إسحاق بْن جعفر الفقيه ، ولم يكن أحد بسَبْتَة في عصرٍ من الأعصار أكثر تواليف من تواليفه ، لَهُ كتاب الشِّفا في شرف المُصْطَفَى وكتاب ترتيب المَدَارِك وتقريب المسالك في ذِكْر فُقَهاء مذهب مالك ، وكتاب العقيدة ، وكتاب شرح حديث أم زرع ، وكتاب جامع التاريخ الّذي أربى على جميع المؤلّفات ، جَمَعَ فيه أخبار ملوك الأندلس ، وسَبْتَة ، والمغرب ، من دخول الإسلام إليها ، واستوعب فيه أخبار سبتة وعُلمائها ، وكتاب مَشَارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار الموطّأ والبخاريّ ومسلم . قَالَ : وحاز من الرياسة في بلده ومن الرِّفْعة ما لم يصِل إِلَيْهِ أحدٌ قطُّ من أهل بلده ، وما زاده ذلك إلا تواضعًا وخشيةً لله ، وله من المؤلّفات الصّغار أشياءُ لم نذكرها . وقال القاضي ابن خلّكان : هو إمام الحديث في وقته ، وأعرف النّاس بعلومه ، وبالنَّحْو ، واللّغة ، وكلام العرب ، وأيّامهم ، وأنسابهم ، ومن تصانيفه كتاب الإكمال في شرح مسلم ، كمّل به كتاب المُعلَم للمازري ، ومنها : مشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث ، يعني الكتاب المذكور آنفًا ، وكتاب التنبيهات فيه فوائد وغرائب ، وكل تواليفه بديعة . وله شعرٌ حسن ، فمنه ما رواه عنه ابنه قاضي دانية أبو عبد الله محمد بن عياض : انظُرْ إلى الزَّرْع وخاماتِه . . . تحكي وقد ماسَت أمام الرِّياحْ كتيبةً خضراء مهزُومةً . . . شقائقُ النّعْمانِ فيها جراحْ وقال ابن بَشْكُوال : تُوُفّي بمَرّاكُش مُغرِّبًا عَنْ وطنه في وسط سنة أربع .